إذا كانت الفترة منذ قيام ثورة 23 يوليو وحتي بداية حكم الرئيس السادات محل اختلاف في التقييم بين بعض القوي السياسية فالداعون لهذا المؤتمر يتفقون علي أن الصيغة السياسية الراهنة ترتكز إلي قاعدتين أساسيتين: الأولي هي احتكار الفئة الحاكمة لحق اختيار الحكام جميعاً وعلي رأسهم رئيس الدولة، دون اعتبار لإرادة غيرها من أبناء هذا الشعب. والقاعدة الثانية هي التركز الشديد للسلطة في يد رئيس الدولة دون سواه.وقد استطاعت مصر خلال العقود الستة الماضية في إطار هذه الصيغة أن تستكمل استقلالها وأن تسترد، بعد جهد جهيد، كامل أرضها من يد المحتل.إلا أنها عجزت خلال هذه الفترة عن تحقيق تطور ديمقراطي سليم يكفل للشعب حكم نفسه بنفسه، من خلال حقه في اختيار حكامه بإرادته الفاعلة، وحقه في مراقبتهم ومحاسبتهم وتغييرهم من خلال مؤسسات دستورية فعالة متوازنة ومستقرة.كما عجزت هذه الصيغة أيضاً خلال العقود الثلاث الماضية عن دفع عجلة التنمية الشاملة من أجل اللحاق بركب الدول الناجحة.وأياً ما كان الأمر فإن الظروف التاريخية التي تفسر اللجوء لهذه الصيغة قد تغيرت محلياً وإقليمياً ودولياً. ولم يعد ممكناً لمن يأتي بعد الرئيس مبارك أياً كان أن ينفرد بممارسة هذه السلطات الهائلة التي يتمتع بها الرؤساء الذين سبقوه، دون أن يصطد م البناء السياسي القائم بالواقع الجديد. وهذا لعدة أسباب منها أن طريقة اختياره لا يمكن ان تكون حكراً علي الفئة الحاكمة دون سواها، فالرئيس الجديد لن يستطيع ان يستمد شرعيته لا من ثورة 23 يوليو ولا من حرب أكتوبر لأسباب تاريخية واضحة. كما أنه لن يستطيع أن يستمد هذه الشرعية من الانتخاب المباشر طالما أن المادة »76« من الدستور بشكلها الحالي تؤكد احتكار الفئة الحاكمة لعملية اختيار رئيس الدولة، وتصادر إمكانية المنافسة من المنبع.ومن الأسباب أيضاً انه لن يحظي بقبول عام طالما أن وصوله الي الحكم يعني بقاءه فيه الي ما شاء الله وفقاً لما جري عليه العمل وتسمح به المادة »77« من الدستور بعد تعديلها سنة 1980 باطلاق مدد الرئاسة دون تحديد.ويلاحظ أن طبيعة النظام الجمهوري منذ نشأته في اليونان القديمة تقوم علي إتاحة المناصب العامة جميعها ومن باب أولي منصب الرئاسة »للجمهور« أي المواطنين دون تفرقة.كما تقوم أيضاً علي تحديد مدة لشغل هذه المناصب حتي يتسني الانتقال ذهاباً وإياباً من خانة المحكوم إلي خانة الحاكم، بعكس الوضع في النظام الملكي.وقد دلت التجربة التاريخية قديماً وحديثاً علي أن الخروج علي طبيعة النظام الجمهوري تؤدي إلي تحوله إلي نظام حكم الفرد أو حكم القلة.ومن ناحية أخري وبناء علي ما تقدم فإنه لم يعد ممكناً أو مقبولاً أن يتمتع رئيس الجمهورية الحالي والقادم بهذا الحجم الهائل من السلطات المتاحة له بحكم نصوص الدستور وما جري عليه العمل، لأن طبيعة العصر الذي نعيشه وحجم التحديات التي تواجهها الدولة الحديثة أكبر من أن يتولي أعباء الحكم فرد واحد أياً ما كانت قدراته، وأن تركيز السلطة في يد واحدة وهي السمة التي اتسمت بها جميع دساتيرنا الجمهورية منذ دستور 56 إلي اليوم هي السبب الرئيسي في سد الطريق علي أي تطور ديمقراطي سليم.وأخيراً فإن ضبط العملية الانتخابية وفقاً للمعايير المتفق عليها في كافة الدول الديمقراطية هو الطريق الوحيد للخروج من المأزق الحالي.ولما كان دستورنا القائم يوثق صيغة سياسية تجاوزها الزمن كما تجاوزها الواقع وأنها تشكل العائق الرئيسي لفتح الطريق الي تطور ديمقراطي سليم من ناحية، ولم تنجح في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة من ناحية أخري، فإن الحاجة إلي صيغة سياسية جديدة يوثقها دستور جديد أضحت ضرورة ملحة لتمكين الأمة من بناء مستقبلها الذي تريده وترضاه.وتحقيق هذا الهدف يتطلب توافر شروط موضوعية تسمح بتوافق وطني واسع حول هذه الصيغة الجديدة.ولكن التطور السريع والعميق الذي طرأ علي المجتمع المصري خلال العقود الثلاثة الماضية لن يسمح بالانتظار طويلاً في إطار الوضع الحالي، خاصة وأن هناك استحقاقات سياسية قريبة أهمها الانتخابات الرئاسية في عام 2011، مما يتطلب اجراء بعض التعديلات العاجلة علي الدستور الحالي لتفادي انهيار البناء السياسي كله علي رؤوس الجميع، ولفتح الطريق لتوافق وطني واسع حول الدستور الجديد.وهذه التعديلات العاجلة تدور حول محاور ثلاثة:المحور الأول: هو ضبط العملية الانتخابية والأخذ بالضمانات المتعارف عليها لتحقيق نزاهتها.والمحور الثاني: هو كسر احتكار الفئة الحاكمة لاختيار من يحكم، أي إعادة النظام الجمهوري إلي طبيعته الأصلية.والمحور الثالث: هو إعادة توزيع السلطة وتوسيع قاعدتها بحيث يعاد التوازن بين السلطات.المحور الأولضمانات العملية الانتخابيةأساس فكرة الديمقراطية ـ أو حكم الشعب ـ هو مبدأ سيادة الأمة. وتفعيل هذا المبدأ يتمثل في حق الشعب في اختيار حكامه وتغييرهم ومحاسبتهم عند الاقتضاء، وكذلك في اختيار ممثليه الذين ينوبون عنه في اشتراع القوانين ومناقشة الميزانية والرقابة علي أعمال السلطة التنفيذية.وجوهر هذا الحق أن يتمكن الشعب من التعبير عن إرادته الحرة والفاعلة في الاختيار عن طريق صناديق الانتخاب.ومن ثم كانت ضمانات حرية ونزاهة العملية الانتخابية هي المحور الأساسي للانتقال بالحكم الديمقراطي من الشعارات الجوفاء إلي التطبيق العملي الفعلي، وكان ضبط هذه العملية هو العامل الفاعل لاقتناع الشعب بالمشاركة في العمل السياسي واستعادة دوره المسلوب في حكم نفسه بنفسه.والعملية الانتخابية كل متكامل يتكون من مراحل متعددة، تبدأ بضبط القيد في الجداول الانتخابية، وتنتهي بإعلان نتائج الانتخابات، مروراً بالترشيحات وإدارة عملية الاقتراع.وقد عانت مصر وشعبها في تاريخنا الحديث من سيطرة السلطة التنفيذية، ممثلة في وزارة الداخلية، الكاملة علي العملية الانتخابية برمتها وقد دلت التجربة في ظل دستور 23 علي أن الانتخابات الحرة الوحيدة هي تلك التي أجرتها حكومات محايدة وهو ما لم يحدث أبداً في العصر الجمهوري مما أفقد المواطن ثقته فيها، بل وزعزع إيمان الكثيرين بالديمقراطية نفسها في بلادنا في الانتخابات، ومن ثم كانت استعادة الثقة وعودة الإيمان رهناً بمنع تدخل السلطة التنفيذية في العملية الانتخابية، وإنشاء »سلطة عليا مستقلة« استقلالاً فعلياً لا صورياً يجري التوافق عليها بين مختلف الأحزاب السياسية تتولي ضبط العملية، وفقاً للمعايير المتفق عليها في كافة الدول الديمقراطية، وخروجاً من المأزق الحالي الذي يمثله الواقع المصري. ـ الهيئة العليا للانتخابات:وعلي ذلك لابد من إنشاء هيئة عليا للانتخابات، تتكون من شيوخ قضاة مصر بحكم مناصبهم، وعلي وجه التحديد:ـ رئيس محكمة النقض ـ رئيساًـ رئيس مجلس الدولة ـ نائباً للرئيسـ أقدم نواب رئيس مجلس الدولة ـ عضواًـ رئيس محكمة استئناف القاهرة ـ عضواًـ أقدم مستشاري محكمة استئناف القاهرة ـ عضواًـ رئيس محكمة استئناف الإسكندرية ـ عضواًـ أقدم مستشاري محكمة استئناف الإسكندرية ـ عضواًـ رئيس محكمة استئناف طنطا ـ عضواًـ أقدم مستشاري محكمة استئناف طنطا ـ عضواًـ رئيس محكمة استئناف أسيوط ـ عضواًـ أقدم مستشاري رئيس محكمة استئناف أسيوط ـ عضواًـ أربعة من الشخصيات العامة المشهود لهم بالنزاهة يمثلون المجتمع المصري بكافة مكوناته.ويكون لهذه الهيئة شخصية اعتبارية مستقلة، وتلحق بها »إدارة الانتخابات«، التي تنتقل تبعيتها من وزارة الداخلية إليها، كما يلحق بها عدد كاف من مأموري الضبط القضائي يعملون تحت إمرة اللجنة وبتعليمات منها وحدها. وتكفل لها الدولة مسائل العمل المناسبة من ميزانية وأماكن وأفراد. وتختص الهيئة، دون غيرها:ـ بمراجعة كشوف الناخبين علي أساس »الرقم القومي« للمواطنين، وتنقيتها من الوفيات وأعضاء القوات المسلحة والشرطة وتحديد اللجان الفرعية للانتخاب.ـ بالإشراف علي تنفيذ قرارات رئيس الجمهورية بدعوة الناخبين للاقتراع وفتح باب الترشيح.ـ بمراقبة سير المعركة الانتخابية، والسهر علي المساواة بين جميع المرشحين، وكافة الاتجاهات السياسية، وحقهم في نصيب عادل من الإعلام ووسائله المختلفة.ـ يتلقي الطعون علي المرشحين، والفصل فيها، وإعداد الكشوف النهائية للمرشحين.ـ بضبط عملية الاقتراع ومنع تدخل القوي الرسمية وغير الرسمية للتأثير علي الناخبين.ـ باجراء عملية فرز الأصوات في اللجان الفرعية، تحت إشراف الهيئة أو من تنيبه من رجال القضاء، وتجميع الأصوات في اللجان العامة. ـ بإعلان نتيجة الاقتراع والفائزين في الانتخابات. ويكون لهذه الهيئة إصدار قرارات ملزمة في كل ما يتعلق مباشرة أو غير مباشرة بالعملية الانتخابية. علي أن يكون نظر الطعون علي نتيجة الانتخابات من اختصاص المحكمة الدستورية العليا، بحكم ملزم لكافة سلطات الدولة، وعلي وجه السرعة.المحور الثانيتأكيد الطبيعة الجمهورية لنظام الحكمإذا كان النظام الجمهوري يقوم أساساً علي إتاحة المناصب العامة وعلي رأسها منصب الرئاسة لجميع المواطنين دون تمييز فإن المادة »76« من الدستور بحالتها القائمة تسمح للفئة الحاكمة وحدها دون غيرها باختيار شخص من يشغل هذا المنصب.ولا يغير من ذلك أن النص القائم يسمح للأحزاب الممثلة في البرلمان بترشيح بعض أعضائها لهذا المنصب بشروط كثيرة، لأن هذه الأحزاب لا تقوم ولا تبقي الا بارادة لجنة الأحزاب، وهي جهة تتحكم في تشكيلها وأعمالها الفئة الحاكمة.ومن ناحية أخري فإن الانتخابات العامة التي تسمح بتمثيل هذه الأحزاب مازالت تحت السيطرة الكاملة لجهة الإدارة.أما المستقلون فقد وضعت المادة شروطاً لترشيحهم للمنصب هي بإجماع الآراء شروط مستحيلة التحقيق في الوضع الراهن.وتعديل المادة »76« يستهدف كسر هذا الاحتكار الذي يؤدي إلي مصادرة المنافسة من المنبع ويفرغ الانتخاب المباشر لرئيس الدولة من مضمونه ويحول دون تمتعه بشرعية سياسية تمكنه من النهوض بأعباء منصبه في إطار قبول عام. وإذا كان من الضروري ضمان جدية المرشح لهذا المنصب الرفيع حتي لا تفاجأ بمئات المرشحين غير الجادين والمؤهلين مما يحول دون إمكانية ضمان جدية المنافسة، فإن دساتير كثيرة قد اهتدت إلي حل لهذه المشكلة باشتراط تزكية عدد من الناخبين المقيدين لمن يرغب في الترشيح، وهو ما أخذ به الدستور الفنلندي والبرتغالي والبولندي وغيرها. علي ألا يكون هذا العدد مبالغاً فيه حتي لا يمثل تعجيزاً عن ممارسة حق الترشيح.وفي هذا النطاق يقترح أن تنص المادة »76« علي انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري المباشر في انتخابات تعددية وتحت اشراف قضائي كامل، ويترك للقانون تحديد الشروط الموضوعية الواجب توافرها في المرشح لرئاسة الجمهورية، مثل سن المرشح وتمتعه بحقوقه المدنية والسياسية كاملة وعدم حمله لجنسية أخري غير جنسيته المصرية وأن يكون قد أدي الخدمة العسكرية أو أعفي منها قانوناً.أما المادة »77« بعد تعديلها فقد أخلت بمبدأ آخر من مبادئ النظام الجمهوري هو تحديد مدة لتولي المناصب العامة وعلي رأسها منصب رئيس الدولة. وقد دلت التجربة علي أن الخروج علي هذا المبدأ يؤدي الي تحول النظام الجهوري الي نظام ملكي أو أبوي بطريركي.ولا يقدح في ذلك أن الدستور الأمريكي عند صدوره في أواخر القرن الثامن عشر لم يحدد حداً أقصي لشغل منصب الرئاسة، لأن الرئيس الأول جورج واشنطن اكتفي بمدتين وصار ذلك عرفاً لم يخرج عليه إلا الرئيس فرنكلين روزفلت لظروف الحرب العالمية الثانية، مما أدي الي تعديل الدستور الأمريكي بحيث أصبح ينص علي مدتين كحد أقصي بعد انتهاء هذه الظروف.أما الدستور الفرنسي فرغم عدم وجود نص يحدد المدة فإنه منذ صدور دستور الجمهورية الثالثة سنة 1875 لم يتجاوز رئيس واحد الفترتين، فصار التجديد بمقتضي عرف يكون أحياناً أقوي من النص في إلزامه.أما الدساتير الحديثة التي صدرت منذ تسعينيات القرن الماضي فهي جميعاً قد نصت علي حد أقصي لتولي منصب الرئاسة.ولسنا في حاجة إلي ضرب المثل بهذه الدساتيري حيث إن دستورنا القائم نفسه كان ينص علي تحديد فترة الرئاسة بمدتين قبل تعديله سنة 1980 في الظروف التي نعرفها جميعاً، كما أن الرئيس مبارك نفسه سبق أن صرح في بداية ولايته الأولي أنه يري أنها فترة كافية جداً.ولاشك ان عدم تحديد المدة من أسباب هذه الأزمة التي تخيم علي الوطن الآن وتضعنا جميعاً أمام تحدي المستقبل المجهول.المحور الثالثإعادة التوازن بين السلطاتاتسمت دساتيرنا الجمهورية بدءاً بدستور 1956 إلي الآن بإعطاء رئيس الجمهورية قدراً هائلاً من السلطات أدي الي تقزيم السلطة التشريعية واستحالة قيام التوازن بين السلطات وهو الذي يشكل القاعدة الموضوعية لاستقلال السلطة القضائية واستقرارها، ويكفي هنا أن نذكر بمذبحة القضاء سنة 1969 وأن نؤكد ان وجود جهة قضاء استثنائي يستطيع رئيس الدولة أن يحيل اليه ما يراه من قضايا فضلاً عن كثير من النصوص الموجودة في قانون السلطة القضائية مما يجعل استقلال القضاء منقوصاً إلي حد كبير وفي هذا الإطار تلغي المادة »173« من الدستور.وبصرف النظر عن المفاضلة النظرية بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، فان نظامنا الرئاسي بصورته الحالية عاق أي تطور ديمقراطي سليم علي مدي أكثر من نصف قرن، كما انه لم يحقق التنمية الشاملة المستدامة، ممايستوجب علاج هذا الوضع عن طريق اعادة توزيع السلطة وتوسيع قاعدتها بما يحقق التوازن بين السلطات ويتطلب التوجه نحو نظام برلماني اكثر ملاءمة لعلاج هذا الخلل القائم في جميع دساتيرنا الجمهورية وهو الاتجاه الغالب في الدساتير الحديثة ونقطة البدء هي اعادة التوازن بين شريكي السلطة التنفيذية رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء.1 ـ رئيس الجمهورية:رئيس الجمهورية المنتخب انتخاباً مباشراً من الشعب يجب أن يكون رئيساً لكل المصريين، ويمتنع عليه بمجرد اعلان انتخابه ممارسة أي دور أو شغل أي منصب حزبي. وبصفته رئيساً لكل المصريين تتحدد سلطاته في المجالات التي كون بطبيعتها محلاً لتوافق المصريين جميعاً. فهو رئيس الدولة والقائد الأعلي لقواته المسلحة وهو حكم بين السلطات وهو ضامن لأداء مؤسسات الدولة لدورها بانتظام ودوام وهو ممثل الدولة في علاقاتها الخارجية يبرم المعاهدات وفقاً لأحكام الدستور ويسهر علي تنفيذها. وهي سلطات هامة يستمدها من الدستور ويمارسها استناداً إلي انتخابه مباشرة من الشعب.2 ـ مجلس الوزراء:أما مجلس الوزراء الحاصل علي ثقة البرلمان والمسئول أمامه فهو الذي يضع سياسة الدولة ويشرف علي تنفيذها. استناداً علي هذه الثقة وفي حدودها. ومعني أن يكون مجلس الوزراء مسئولاً أمام البرلمان يفترض انه يتولي السلطة التنفيذية إذ انه لا معني للمسئولية إذا كانت حقيقة السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية غير المسئول أمام البرلمان ذلك أن التلازم بين السلطة والمسئولية من القواعد الديمقراطية التي لا تقبل استثناء. ومقتضي ذلك أن تحدد العلاقة بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء علي الأسس التالية:1 ـ يكون لرئيس الجمهورية حق تعيين رئيس مجلس الوزراء في ضوء ما أسفرت عنه الانتخابات التشريعية، بحيث يكون هذا التعيين معلقاً علي شرط حصول رئيس مجلس الوزراء المعين علي ثقة المجلس التشريعي وإلا وجب علي الرئيس تعيين غيره، وهو ما تنص عليه المادة »133« من الدستور بعد تعديلها سنة 2007.2 ـ بمجرد حصول رئيس مجلس الوزراء علي ثقة المجلس التشريعي لا يجوز لرئيس الجمهورية إقالته، وإنما يقبل استقالته إذا فقد ثقة البرلمان أو قدر لسبب من الأسباب عدم قدرته علي القيام بمهام منصبه.3 ـ يكون تعيين نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء ونوابهم وإعفاؤهم من مناصبهم بقرار من رئيس الجمهورية بناء علي طلب رئيس الوزراء.4 ـ غني عن البيان أن التعاون بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء واجب لأداء كل منهما دوره وفقاً لأحكام الدستور، فإذا استحال هذا التعاون قامت حالة الضرورة التي تبيح لرئيس الجمهورية استعمال حق حل البرلمان والعودة إلي الشعب استناداً إلي مسئوليته كضامن لأداء مؤسسات الدولة لدورها بانتظام ودوام.ويلاحظ هنا أن الجمع بين حق رئيس الجمهورية في حل البرلمان وحقه في إقالة الحكومة يؤدي إلي اختلال التوازن بين السلطات وقد دلت التجربة المصرية في ظل دستور 1923 علي أن الجمع بين الحقين في يد رئيس الدولة يؤدي إلي إهدار إرادة الأمة. إن الارتباط بين مجلس الوزراء ومجلس الشعب من ناحية والتعاون الواجب بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء من ناحية أخري هو خير ضمان لتحقيق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية الذي يسعي إليه النظام البرلماني الحديث، كما أن هذا التوازن شرط ضروري لاستقلال السلطة القضائية واستقرارها.قد دلت تجارب كثيرة في الماضي والحاضر علي انه في حالة طغيان السلطة التنفيذية لا يبقي من استقلال القضاء إلا مظهر دون جوهر.مجمل القول انه فيما عدا السلطات المحددة التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية فإنه في إطار التعديلات المقترحة يتولي السلطة التنفيذية ويمارسها من خلال مجلس الوزراء المسئول أمام البرلمان.